home سجل الزوار
RSS
اتصل بنا

الطلاق السعيد..مصطلح اسلامي فريد

الطلاق السعيد..مصطلح اسلامي فريد
1415 زائر
21-01-2015
عبير النحاس

عندما رأيتها كان قد تغشاها غضب عجيب, وراحت تصرخ في وجه مديرة مدرستنا مهددة, مرت بخاطري كل صور العقاب التي من الممكن أن يتلقاها طفل في المدرسة وتأتي بأبويه مسرعين لعلاج الأمر, بل وتخيلت كل جرائم التحرش والأذى التي جمعتها في رحلتي التعليمية الطويلة, وذهلت عندما علمت أن زيارة طليقها للمدرسة وجلوسه مع طفلته الوحيدة, وتقديمه لتلك الهدية التي ألقتها في وجوه الحاضرين كانت هي السبب خلف تلك العاصفة التي أثارتها.
كنت متأكدة أنها متألمة وأنها عانت طويلا , وأن غضبها من تودد الأب لابنته بعد أن تخلى عنها طويلا هو ما أثارها وجدد تلك المشاعر في نفسها, وكنت أعذر فيها تلك اللوعة, وأعيب عليها إلحاقها الضرر بطفلة بارعة الحسن واللطف لا ذنب لها, وقد باتت معروفة بتعلقها بكل مدرِّسة تبتسم لها لفرط شوقها للحب والحنان, ومن يدري من الذي سيضحك عليها ويلوح لها بالهدوء والحب والاستقرار عندما تصل إلى سن الصبا.
في مدرستنا أيضا ومنذ عام مضى كانت تلازمني صبية - في الصف السادس الابتدائي - كلما خرجت إلى باحة المدرسة في يوم مناوبتي, وكانت تبدو أكبر من سنها, واستطعت أن أفهم من حديثها المرح أنها تقيم وأختها - التي تدرس في المدرسة الإعدادية القريبة منا - في منزلهما وحدهما, وأن والدتها المطلقة تعيش في منزل تملكه مع الأخ الأصغر لهما, وأن الوالد كذلك يعيش بمفرده, وعندما تعجبت قالت: أنها إرادة والدها, وأنه يريد حرمان الأم من أولادها, وهو ينتظر وصول الصبي إلى عمر يسمح له بضمه إلى أخواته بعيدا عن الوالدة, وأنه لا يريد العيش بينهم أيضا.
كان من العجيب أن يكون انتقام بهذه الطريقة, فيعاقب الوالد نفسه وأبناءه والوالدة أيضا, ومن ثم يخاطر بهن ويتركهن عرضة للضياع بعيدا عنه وعن أمهما انتقاما منها فقط.
ما هو الطلاق؟ وما هي حقيقته في شريعتنا؟
لطالما ظننت أن الطلاق هو نهاية الحياة السعيدة الهانئة, وأنه حل مثالي لمشكلات لا حصر لها, وهو الحل الأفضل عند استحالة الحياة الزوجية وتلك الشراكة, وهو كذلك ولا ريب؛ فكم من حياة تبدلت وكم من قلب ذاق طعم السرور مع شريك آخر.
وقد يكون هو الحل الأمثل للزوجة أو الزوج الذي لم يحترم نفسه وفارق عفَّته, وهو بالتالي خير من الانفصال والابتعاد دون فسخ العقد, ومن ثم اتخاذ الخلان، وإقامة العلاقات المحرمة كما يحصل بين من ينتسبون إلى شرائع لا تبيح الطلاق.
فهل من طلاق سعيد؟!
مثلكم أنا.. لم أتخيل ولو ليوم واحد أنه مصطلح في غير عالم المثاليين الخيالي, أو أنه واقعي بل ومطلب شرعي أيضا, وكنت أظن أن النهاية هي في الفراق ولا شيء بعده, وكنت أظن أن الطلاق هو علاقات عدوانية تختلف درجتها حسب درجة الأذى والبغض والقدرة على الصمود, والرغبة في القصاص, وكنت أعيش عذابات من أعرفهم من المطلقين وأولادهم عندما تحيط بهم نار الفرقة والرغبة في الانتقام, وكنت كغيري أستمع إلى اليسير من القصص الكثيرة المؤلمة التي تعج بها المحاكم المسلمة وتحكي ألاماً أبطالها أناس ينتسبون لهذا الدين.
فما الذي تقوله لنا شريعتنا في أمر الطلاق؟
قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...} (البقرة: من الآية 231).
ومثله قوله تعالى:{الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: 229)
إن قضية التسريح بإحسان هذه نقلتني إلى ما نسمعه ونراه من حالات الطلاق التي يماطل فيها الزوج في إعطاء زوجته حقوقها، ولست أعني بالحقوق هنا ما قررته تلك القوانين المتهرئة, لكنني أعني تلك النفقة التي يريد بها الزوج وجه الله أولا, ويريد أن تعيش عائلته حياة كريمة لائقة بعيدا عن هموم اجتماعه وزوجته معا, وبعيدا عن روح الحرب وإلحاق الضرر والشح بما أوجبه الله عليه, وكل هذا يتطلب من يعرف دينه حق المعرفة, ويعيش ليرضي خالقه أولا, ولا يظلم نفسه بأذية الآخرين, وهؤلاء نادرون عزيزون بين الأزواج وبين المطلقين خاصة في هذا الزمان.
فما الذي تغيَّر؟
في مجتمعاتنا يُنظر إلى الطلاق كجريمة في حق العائلة بأكملها, ويُنظر إلى المرأة المطلقة وكأنها معيبة, وقد يحرِّم البعض على أهله وبناته الاختلاط بالمطلقات ويعاملهن البعض كناقصات, ولو عدنا إلى القرآن الكريم لما وجدنا فيه هذا التبغيض والبغض للأمر، بل لقد وعد الله تعالى المطلقين بالغنى عندما قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} (النساء:130).
فكيف نستبدل نحن تلك النظرة المتفائلة وذلك الوعد بالحياة الكريمة التي وعدنا الله تعالى بها في حال فك الشراكة؛ بنظرة سوداء قاتمة للأمر، والذي يجب ألا يتعدى إنهاء عقد شراكة - كما أسلفت - بكل هدوء وبكل ود, وأن نبقي على الاحترام المتبادل بيننا كأزواج, ونبقي على علاقاتنا الجيدة التي تحمي الصغار من سوء العاقبة وتحمينا من تعاسة ما بعد الفراق.
كيف صور لنا الكتاب الكريم علاقات ما بعد الطلاق؟
أشار القرآن الكريم ونبه إلى تلك المشاورة التي يجب أن تحدث بين المطلقين لأجل تلك القضية التي يعتبرها البعض لا تذكر, وهذا يدلنا على وجوب التشاور والمشاورة في أمور أهم وأكبر بالتأكيد وبكل احترام ودقة.. فهل من سامع؟!.
قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا...} ( البقرة: من الآية 233).
ولست أدري بالضبط من أين جاءت تلك النظرة السلبية للطلاق في عصرنا هذا وهو ما لم يكن موجودا في عصر النبوة، وزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من السيدة زينب بعد طلاقها من حبه زيد هو دليل رائع على أريحية ذلك الزمان ونظرته الواقعية للأمر بل واحترامه وتقديره لكلا الطرفين المتنازعين وعدم إهدار بشرية المرأة المطلقة فيه.
كيف يكون الطلاق أبغض الحلال؟!
أما عن حديث: إن أبغض الحلال عند الله الطلاق فهو من الضعيف والذي لا يصح الاحتجاج به، والأمر أيسر وأهون من التمسك بعلاقة لا تستقيم والطريق مفتوح للحل الهادئ والانفصال الذي يحترم فيه الطرفين بعضهما.
فما الذي يهدف إليه المقال؟
لست بالطبع ممن يشجع على الطلاق، لكنني أفخر بانتمائي لدين يحسب للإنسانية حسابها الكامل، وهو دليل على سماويته قدسيته وخلوه من التحريف البشري.
وما أردت أن أشير إليه أننا مأمورون بالإحسان في كل ما نفعله، وحتى في علاقات ما بعد الطلاق، لتسلم لنا من بعده الحياة وتنتهي رحلة الجراح, وأن الإسلام الذي أباح لنا حق الطلاق قد أكد وبين وأرشد إلى طرق كثيرة نحفظ بها الأولاد من بعده, وأن جُل مشكلاتنا تبدأ عند ابتعادنا عن روح الشريعة المحمدية.
   طباعة 
0 صوت
مكتبة , الأطفال , مقالات , يكون , كيف , الزواج , حواء , المطلقة , الأسرة , الطلاق , السعيد
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
أماه .. لا تهدمي بيتي - ركــــن الـمـقـالات
أربع وصايا زواجية - ركــــن الـمـقـالات
حسن الظن - ركــــن الـمـقـالات
قصة هارب من القدر...!! - ركــــن الـمـقـالات

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

القائمة الرئيسية
! اضيفيني
مواقع صديقة
| شبكة بيت حواء | منتديات بيت حواء | خدمة جوالها | مطبخ حواء | جمال حواء | بيتك | قروب حواء | أريد حلاً | الفتاوى الجامعة | الطب النبوي | القرآن الكريم | تفسير القرآن الكريم | بوابتي | جوال حواء | دليل حواء | إبتسامات | أحبابنا | تسجيلات بيت حواء | مكتبة بيت حواء | بطاقات بيت حواء | دليل الأسرة | دليل الجامعات | ألبوم الصور | أسماء المواليد | يوتيوب حواء | ألعاب بنات | منتديات الفراشة | أعلن معنا | موبايلي | عقاركم | لقط المنافع | راسلنا |

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا اضغط هنا



مطبخ حواء